وحدات حماية المرأة

عفرين

0 70

كان الدخان يتصاعد من فوق جبال عفرين الشامخة التي لم ترضى بالرضوخ امام أي أحد. عفرين التي كانت في يوماً ما ارض السكون والسلام، اليوم باتت النيران تلتهب فيها، وتحترق الارواح الأبرياء التي فيها. طائرات الدول التركية المحتلة، تقصف أي مكان ترى حركة فيه سواء كان انساناً أو حيواناً، الساعات تمضي وكلما تنقضي يتزايد عدد الطائرات التي تحرق مدينة الزيتون. كنت هناك شاهدة على الهمجية التي تمر على المدينة وعلى سكانها. عندما ذهبت الى هناك للمشاركة في رد العدوان كان وقتها قد مضى أكثر من عشرون يوماً على هجوم الفاشية في منطقة راجو، حينها كنت أشرف على الخنادق.

في البداية لم يكن هناك قصف كثير في راجو ولكن ومع مرور الوقت لم تسلم المنطقة من ايدي المحتلين الذين كان همهم قتل وسرقة ونهب ممتلكات سكان المدينة، الذين هدروا كل نقطة من دمائهم لإنبات شجرة زيتون واحدة ولكل غرس شجرة كانت هناك حكاية!

لم نكن نعلم بأنهم قد دخلوا الى التلة، لكن بعد مرور بعض الوقت لفت انتباهنا بأن هناك آلة التركس تعمل هناك، ومن ثم عملوا على تنصيب علمهم فوق التلة، لم نكن وقتها نستطيع فعل شيء، لان أي حركة تصدر منا سيعرفون مكاننا، كان عددنا وقتها ثلاث رفاق، كنا نعرف بأن الوضع لا يدعوا الى الاطمئنان لأن المرتزقة قد اقتربوا للغاية منا، ومن بعدها لم نرى إلا إن طائرتين من نوع الهليكوبتر وقفتين فوقنا، الاولى تهاجم والأخرى تحميها من الخلف.

قصفت كل الاماكن القريبة من التلة، لم نستطع مغادرة مكاننا، انتظرنا ريثما تغير الطائرة وجهتها. وفي اليوم التالي كان المطر يتساقط وكأن السماء تبكي علينا! استجمعنا كل قوتنا وقررنا اسقاط الطائرة إلا اننا لم نتمكن من ضربها، فقد كنا نمتلك قاذف آر بي جي واحد فقط وعدد الطائرات يتجوز الواحدة لم نكن نستطيع الاتصال بالرفاق، لأنهم كانوا يشوشون على موجات الاتصالات، ومن ثم يقومون بقطعها التي كانت تشكل صلة وصل بين كل الرفاق.

كنا نسمع اصوات القصف قريبة منا. تعودنا على اصوات الطائرات رويداً، رويداً. الساعة تقارب السادسة صباحاً، لم أكن أستطيع الوقوف لأنني كنت منهمكة للغاية. لم أكن قد رئيت مثل هذا الحرب في حياتي!

أقنعت نفسي بأخذ قسم من الراحة لأستطيع تجميع قواي من جديد فقلت للرفيقة التي كانت معي إذا كان بإمكانها أن تنوب عني في الحراسة فأجابت بانها تستطيع. في اثناء استراحتي فتحت الجهاز اللاسلكي الذي كان الصلة التي تربطنا مع الرفاق، لعلني أستطيع معرفة اخبار الرفاق ففتحت الجهاز لأرى إذا تواجدت الشبكة أو لا، عندما فتحته سمعت صوت رفيق يستغيث كان يطلب المساعدة. عندما سمعت صوته قمت من مكاني وركضت الى النقطة الثانية، لتلبية النداء، استدعت ذلك الرفيق لكي نعرف اين مكان تواجدهم لأننا لم نكن نعرف كيف يجب أن نقدم لهم المساعدة، فنحن لم نكن نعرف الطريق إليهم حتى. بعد استدعائهم  على الجهاز، عرفوا لنا تضاريس المنطقة التي هم فيها وعن الطريقة التي يجب تقديم المساعدة لهم، كان الطريق الذي عرفه لنا بعيداً جداً عنا والحقول حولهم مليئة بالمتفجرات التي نصبناها للأعداء  فاقترحنا أن نأتي  من ناحية راجو إلا إنهم حذرونا من المجيئ بذلك الطريق، لأن المرتزقة كانوا يلبسون لباس الرفاق من اجل أن يقبضوا على الرفاق، فكرنا كثيراً في كيفية وضع خطة محكمة وبعدها قررنا المجيئ من جهتنا وارشادهم الى المكان الذي نحن موجودين فيه، قمنا بإنقاذهم من الوضع الذي كانوا فيه بعد انتشار الضباب الذي ساعدنا كثيراً.

اتفقت مع الرفيق رستم على الذهاب لتفقد اماكن الرفاق ولأرى لما لا يردون على اجهزتهم اللاسلكية التي بحوزتهم. عندما اقتربت من المكان الذي كانوا موجودين فيه لم ارى أي أحد لان النقاط كانت قد قصفت من قبل الطائرات، لم يكن هناك أي اصابات، فالرفاق تمكنوا من ترك الاماكن التي كانوا فيها.  كانوا يعلمون بأنهم سيتعرضون للقصف ولكنهم لم يتمكنوا من اخبارنا بذلك لأن لم يكن هناك أي شبكة ليخبرونا. اخبرت الرفاق بأننا يجب علينا التراجع للوراء لان النقاط التي كان الرفاق يحرسونها قد تعرضت للقصف وليس بعيداً أن يتم حصارنا هنا. استطعنا فرز الرفاق الى بعض الاماكن ولكن اصيب عدد من الرفاق لان طائرة الاستطلاع كانت فوقهم ترى كل تحركاتهم، تمكنا من أخذنا الرفاق المصابين الى مكان آمن لتقديم المساعدة الطبية لهم، بعد وصولنا الى المكان المنشود كان هناك رفيقين، سألته عن الرفاق قالوا بأنهم لا يعرفون مكان أي أحد لان الطائرات تقصف أي مكان ترى فيه أي تحرك أو أي حرارة للمكان. وفي اثناء ذلك اتت الطائرة وقصفت المكان الذي كنا فيه وقعت ارضاً وسقط الجدار على، انقطعت انفاسي اتى رفيق واخرجني من تحتها، كنت قد اصبت في راسي وجراحي تنزف اثر السقوط الذي سقطته لشدة الغبار لم استطع الرؤية بوضوح، لم يستشهد احد من الرفاق الذين كانوا معي إلا أن اغلبيتهم اصيبوا اثر ضرة الطائرة، قررنا أن نبقى معاً وأن لا نأتي بأي حركة، طائرة الاستطلاع تطير فوقنا  واستطاعت الطائرة تثبيت مكان وجودنا فقصفتنا للمرة الثانية ولم تتوقف وكررت قصفها للمرة الثالثة، كنت اعتقد بأننا في كابوس على ارض الواقع، كابوساً مريعاً  لم يمر في حياتي مثله! لم أكن اعتقد إنه سيكون له نهاية، فطائرة الاستطلاع لم تكن تغادر فوقنا، كنا نريد أن نخرج من هناك إلا إننا لم نكن نتمكن من ذلك قررنا عدم التحرك الى لحظة مغادرة الطائرة وقلت للرفاق الذين حولنا بعدم التحرك لان الطائرة قريبة منهم وفي اثناء حديثي معهم قصفت الطائرة مكان تواجدهم واصيب رفيق من بينهم، فقرر الرفاق التراجع الى الوراء خطوة لأن المرتزقة كانوا يحاربون بالطائرات والاسلحة الثقيلة التي يمتلكها الاحتلال التركي. وضعنا خطة من اجل الخروج من ذاك المكان الذي كنا فيه. كنا كل اثنين نخرج سوية من بين اشجار الزيتون، استطعنا من اخراج الكثير من الرفاق بهذه الطريقة لآننا لم نكن نمتلك اسلحة ثقيلة مثل التي يمتلكها الاحتلال فهم كانوا يحاربون بأحدث التقنيات ولو بقينا لم نكن نستطيع الصمود. استطعنا الخروج، كنا نحارب الموت ونستمد انفاسنا من رائحة تراب الزيتون. لزلت اسمع نفحات صواريخ الطائرات والرصاص والأسلحة الثقيلة تنهال علينا وكأنها حبات المطر المتعطشة للتراب.

كانت ذكريات صعبة للغاية ولكننا وبرغم من كل شيء استطعنا محاربتهم وقاومناهم بإرادتنا الجبارة. لن يستطيعوا ابعاد عفرين عن قلوبنا فنحن لن ننسى وعفرين ستكون مقبرة المحتلين ومهما طال التحرير سيكون الانتقام اكيد.

ليلى دجلة

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.