
في كونفرانس المرأة، نوقشت قضايا الحماية والاندماج، وتم التأكيد على أن الاندماج لم يتحقق بعد، وأن الحكومة المؤقتة مطالبة بتعديل سياساتها، مشددات على أن سوريا المستقبل لا يمكن بناؤها من دون المرأة ووحدات الحماية الخاصة بها.
عقد مؤتمر ستار كونفرانساً في حديقة آزادي بمدينة قامشلو، تحت شعار “معاً من أجل ضمان حقوق المرأة في الدستور السوري”.
وبعد كلمة الافتتاح، ناقشت الجلسة الأولى محورين حول حقوق المرأة من الناحيتين “السياسة والحقوق” وأجريت نقاشات موسعة حولها.
وفي الجلسة الثانية، قدّمت عضوة القيادة العامة لوحدات حماية المرأة ساريا عفرين، ندوة حول موضوع الحماية، فيما قدمت عضوة الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) فوزة يوسف ندوة حول موضوع الاندماج، وتمت مناقشتها مع الحضور.
وقد أُديرت الجلسة الثانية من قبل عضوة لجنة العلاقات واتفاقات السياسة الديمقراطية في مؤتمر ستار، روناهي حسن.
وسلطت عضوة القيادة العامة لوحدات حماية المرأة ساريا عفرين، في المحور الثالث الضوء على الدور الحيوي للمرأة في مجال الدفاع وحماية المجتمع، مؤكدة على تضحيات النساء المناضلات اللواتي استشهدن من أجل حرية المجتمع وحقوق المرأة، وهنأّت النساء بمناسبة نوروز واليوم العالمي للمرأة.
وقالت ساريا عفرين: “بدأت هذه الثورة بقيادة النساء، والنساء مثل وحدات حماية المرأة (YPJ) تحملن مسؤولية الدفاع عن مكتسبات المرأة. ومن جميع أنحاء الوطن، حجزت النساء أمكنتهن في صفوف الوحدات”.
وأضافت: “في معاركنا ضد مرتزقة داعش، استشهد الآلاف من رفاقنا ورفيقاتنا في مواجهة إرهاب داعش الذكوري. وضعنا جهودنا لحماية القيم الإنسانية، وسعينا لأن نكون نموذجاً للنساء الكرديات. نضالنا وفق فلسفة “المرأة، الحياة، الحرية” سيستمر، وعلينا الآن حماية مكتسبات ثورة المرأة”.
وأوضحت ساريا عفرين الوضع الراهن في سوريا، مشيرة إلى أن النساء قدمن نضالاً كبيراً ولا يزلن يواصلن نشاطهن بمستوى عالٍ من الالتزام. وأكدت على أهمية ملف الاندماج قائلة: “النقاش حول الاندماج ما زال مستمراً، ونحن جزء من قوات سوريا الديمقراطية ونخطط للمشاركة فيه، لكن للأسف لم تتعاون الحكومة المؤقتة. نواصل جهودنا لضمان مشاركة النساء في المسارات الدفاعية والسياسية والاجتماعية في سوريا، ونصرّ على ألا تُضمّن المرأة في الجيش التقليدي، ونسعى لاستعادة حقوقنا بأنفسنا من خلال النضال. هدفنا حماية النساء في جميع أنحاء سوريا”.
واختتمت ساريا عفرين حديثها قائلةً: “نحن كقوات حماية، نؤمن بمسؤوليتنا في حماية سوريا ومكتسبات النساء. لسنا تابعين لأي حكومة مؤقتة، وسنستعيد حقوقنا بالنضال. سوريا لا يمكن أن تكون من دون النساء. علينا أن نكون نموذجاً في جميع المجالات العسكرية، المدنية والسياسية”، مؤكدة “نأمل أن يكون نموذجنا مصدر إلهام للنساء في كردستان والعالم. مشروعنا قائم على هذا الأساس، وقوتنا تمنحنا مسؤولية كبيرة تجاه شعبنا”.
بعد ذلك، تحدثت عضوة الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) فوزة يوسف، حول المحور الرابع من الكونفرانس وهو الاندماج.
أوضحت فوزة يوسف أن البلاد تمر بمرحلة خطيرة، مؤكدة أن النساء هن الأكثر تضرراً من تداعياتها، في ظل واقع تهيمن عليه العقلية الذكورية، سواء داخلياً أو عبر تدخلات القوى الخارجية. وأشارت إلى أن الأزمات لا تقتصر على سوريا، بل تبدأ فيها وتمتد لاحقاً إلى باقي المكونات، في ظل غياب رؤية عادلة لحل المشكلات، وهيمنة أنظمة تفتقر إلى العدالة المحلية وتثقل كاهل النساء والشعوب.
وتساءلت فوزة يوسف عمّا تغيّر في سوريا بعد 15 عاماً من اندلاع الثورة، مذكّرة بحجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري، من شهداء وملايين النازحين واللاجئين، في سبيل تحقيق الحرية والمساواة، قبل أن يتم استغلال الثورة، ما أدى إلى استمرارها حتى اليوم دون تحقيق أهدافها.
وأضافت إن القوى المهيمنة عالمياً لا تبدي نية حقيقية في ضمان حرية الشعوب والنساء، داعيةً إلى ضرورة تركيز الشعوب على حماية حقوقها بنفسها. ولفتت إلى أن ما جرى في كانون الثاني شكّل بداية ما وصفته بـ “طوفان الشرق الأوسط”، مشيرة إلى أن انطلاقه من هذه المنطقة جاء نتيجة تحوّلها إلى نموذج ديمقراطي ومصدر أمل للنساء والشعوب، الأمر الذي دفع بعض القوى إلى محاولة كسر هذا النموذج.
وأكدت أن الجهود كانت تتجه نحو حل المشكلات بطرق ديمقراطية، إلا أن بعض الأطراف، ومنها إيران، سارعت لتحقيق أجنداتها الخاصة. وشددت على ضرورة قيام النساء بتقييم هذه المرحلة بوعي، وتحديد نقاط الضعف والعمل على معالجتها.
وبيّنت أن محاولات استهداف آمال الشعوب والنساء قوبلت بمقاومة قوية، حيث كان لها دور حاسم في منع وقوع مجازر، مؤكدة أنه لولا هذه المقاومة لكان مصير الشعب الكردي مشابهاً لما حدث في شنكال، مشيرة إلى أن هذه المقاومة أسهمت في إعادة نهوضه من جديد.
“لسنا راضين عن الاتفاق لكننا حمينا أنفسنا من الإبادة”
وتطرّقت فوزة يوسف إلى اتفاق 29 كانون الثاني، قائلة: “هذا الاتفاق لم يكن محل رضانا، لكن الهجمات كانت قد بدأت، ومع تصاعد ما سُمي بعاصفة المنطقة، تمكّنا من حماية أنفسنا من الإبادة. ونعدّ ذلك فرصة لإعادة تنظيم صفوفنا ومواصلة النضال”.
وأكدت أن النضال سيستمر بالوسائل السياسية والقانونية، مشيرة إلى أن الاندماج هو شكل من أشكال النضال لحماية الحقوق، ويمكن تعميم هذه التجربة على بقية مناطق سوريا. وأضافت أن قضايا المرأة والديمقراطية والحرية والعدالة هي قضايا تخص سوريا بأكملها.
وأوضحت أن ملفات الاندماج شملت وقف الحرب، وعودة المهجّرين، واللغة، والتعليم، والجانب العسكري، حيث تحقق بعضها جزئياً، فيما لا تزال قضايا أخرى عالقة ومعقدة. ولفتت إلى أن بعض التعيينات، خاصة في إدارة كوباني، لم تحظَ بقبول شعبي، مؤكدة ضرورة أن يتم اختيار المسؤولين بإرادة الشعب.
كما أشارت إلى غياب تمثيل النساء في التعيينات حتى الآن، وعدّت ذلك مشكلة أساسية، بالإضافة إلى تعثر عودة المهجّرين، خاصة من سري كانيه، رغم استمرار الجهود لتحقيق ذلك.
وتطرقت إلى دور وحدات حماية المرأة (YPJ)، مؤكدة أن “المرأة لا يمكن أن تكون بلا حماية”، مشيرة إلى أن الحكومة المؤقتة تطالب النساء بإنهاء دورهن والعودة إلى المنازل، متسائلة عن ضمانات عدم تعرض النساء لهجمات جديدة، خاصة مع استمرار تهديد مرتزقة داعش.
وأضافت: “العالم يعيش حالة من الصراع، ولا يوجد كائن حي بلا حماية، لذلك لا يمكننا التخلي عن الدفاع عن أنفسنا. نحن مضطرون لاتخاذ تدابيرنا، ولن نكون ضحايا. سنواصل الدفاع عن حقوقنا قانونياً، ولن نعود إلى منازلنا، لأننا منذ بداية الثورة شاركنا من أجل الحرية”.
كما دعت إلى استمرار عمل المؤسسات النسائية وتعزيز دور المرأة في الإدارة بحيث تصل نسبة تمثيلها إلى 50%، مؤكدة أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال. واقترحت تشكيل لجنة لوضع خطة عمل واضحة لدعم المؤسسات النسائية والسياسية والمجتمعية، بما فيها وحدات حماية المرأة.
وفي ختام الجلسة، جرت نقاشات بين المشاركات وتم تقديم مقترحات، حيث جرى التأكيد على ضرورة حصول جميع المؤسسات النسائية على ترخيص رسمي، واستمرار عقد مثل هذه المؤتمرات. كما شددت بعض الأمهات المشاركات على أنهن يعددن أنفسهن جزءاً من وحدات حماية المرأة، فيما أكدت نساء مهجرات عدم قدرتهن على العيش في ظل سياسات الحكومة المؤقتة، داعيات إلى بناء مؤسسات نسائية مستقلة.
وأكد البيان أن المؤتمر يمثل انعطافة مهمة في مسار الحل السياسي في سوريا، مشيراً إلى أن حرية المرأة والمجتمع الديمقراطي تشكل حجر الزاوية لعقد اجتماعي جديد يُنهي الاستبداد والمركزية المقيتة.
وشملت المخرجات والتوصيات الأساسية للكونفرانس ما يلي:
1- التكريس الدستوري لمكتسبات “ثورة المرأة” في شمال وشرق سوريا وعموم البلاد كحقوق سيادية، وتثبيت قيم المساواة الجوهرية في الدستور السوري بما يحصّن المنجزات التاريخية ضد أي ارتداد سياسي أو تشريعي مستقبلي.
2- اعتماد مبدأ المناصفة التامة (50%) كقاعدة هيكلية إلزامية ومعيار قانوني وحيد، لشغل كل الإدارات في مؤسسات الدولة السيادية، والبرلمانية، والقضائية، بما ينهي عهود احتكار القرار السياسي ويضمن العدالة النوعية في إدارة الدولة.
3- المؤسسة الدستورية لنظام “اللامركزية الديمقراطية” كإطار سياسي وقانوني، لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هيكلية الدولة السورية، بما يضمن تحويلها إلى وحدات حكم ذاتي تتمتع بكامل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، ويحفظ خصوصية التجربة الديمقراطية النسائية كنموذج وطني ملهم.
4- الاعتراف بوحدات حماية المرأة (YPJ) كركيزة أساسية وأصيلة في منظومة الدفاع الوطني السوري، مع الحفاظ الكامل على استقلاليتها التنظيمية والقيادية، كقوة حامية للمجتمع وضمانة أمنية ضد الإرهاب وكافة أشكال الذهنية الإقصائية.
5- تشريع قوانين ديمقراطية تضمن الترخيص والاعتراف القانوني بكل الأحزاب السياسية، والتنظيمات، والحركات النسائية التي تمثل الإرادة الشعبية في مناطق الإدارة الذاتية، وحظر أي استهداف أو تضييق أمني عليها تحت مظلة الدولة السورية الجديدة.
6- سن تشريعات صارمة تجرّم كل أشكال خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء، مع وضع آليات قانونية لمحاسبة كل من يمارس التشهير أو الحملات الممنهجة ضد القيادات والرياديات النسائية؛ بهدف إقصائهن من الحيز العام أو تشويه دورهن السياسي والمجتمعي.
7- تشكيل “هيئة لحماية حقوق المرأة” تتمتع بسلطة دستورية تمنحها حق النقض على أي قانون أو تشريع يتعارض مع مبدئ المساواة، مع منحها الولاية القانونية للإشراف على مواءمة التشريعات الوطنية كافة مع المواثيق الدولية.
8- الاعتراف الرسمي والكامل بالمناهج التعليمية للإدارة الذاتية وبالمنظومات الصحية والخدمية القائمة، واعتبار التعددية اللغوية والثقافية (الكردية، السريانية، العربية، الأرمنية) حقاً مواطنيّاً مقدساً يُديره المجتمع ضمن إطاره اللامركزي دون تدخل من المركز.
9- سنُّ قانون مدني وموحد للأحوال الشخصية مستلهم من “قانون المرأة” المطبق في الإدارة الذاتية، يُلغي القوانين التمييزية كافة، ويضمن حماية المرأة من العنف بجميع أشكاله، ويكفل لها السيادة المطلقة على شؤونها المدنية والحياتية.
10- ضمان حرية التنقل والإقامة والعمل في الميادين النسائية والمدنية والسياسية لكل النساء والناشطات بين المحافظات السورية دون قيود أمنية أو إدارية، وحظر جميع أشكال الملاحقة أو التضييق المرتبطة بالنشاط العام، بما يكفل تكامل النضال النسائي وتمتين الروابط المجتمعية والسياسية على امتداد الجغرافيا الوطنية.
11- الإطلاق الفوري وغير المشروط لسراح المعتقلات والمعتقلين والمختطفات والمغيبين قسراً على خلفية نشاطهم السياسي أو المدني، والعمل الجاد والممنهج للكشف عن مصير المفقودين، واعتبار هذا الملف قضية إنسانية فوق تفاوضية والتزاماً وطنياً وأخلاقياً يسبق أي مسار للتسوية السياسية.
12- التأسيس لعدالة انتقالية جذرية وحساسة للنوع الاجتماعي، تضع في أولوياتها محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وضمان جبر الضرر النفسي والمادي الشامل للضحايا والناجين من الحرب.
13- الالتزام الدولي والوطني بالعودة الطوعية والآمنة للمهجرين والنازحين إلى ديارهم الأصلية، والعمل الفوري على إزالة آثار التغيير الديموغرافي القسري.
14- بناء شبكة نسائية عابرة للانتماءات، لفرض تمثيل إرادة المرأة السورية في كل أروقة صنع القرار الدولي المتعلق بالحل السياسي، وضمان ألا يُصاغ أي عقد اجتماعي أو دستور دون بصمة نسوية كاملة الصلاحيات
15- صياغة ميثاق يوفر الحماية القانونية والأمنية للمدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات السياسيات، ويجرم أي تدخل للأجهزة الأمنية في العمل المدني أو السياسي المستقل.
16- التمسك بمشاركة النساء الفعلية في كافة لجان صياغة الدستور الجديد، لضمان صياغة نصوص دستورية تكفل حقوق كافة المكونات القومية والدينية، وتصون التعددية كجوهر للهوية السورية القادمة.
17- تثبيت استقلال الموارد الاقتصادية المخصصة للمشاريع النسائية ضمن الموازنة العامة للدولة، لضمان تمكين المرأة اقتصادياً كجزء لا يتجزأ من استقلال قرارها السياسي والاجتماعي”.
وأكد البيان الالتزام الراسخ لهذه المخرجات كخريطة طريق نضالية غير قابلة للتجزئة، مع استنفار الوسائل السياسية والدبلوماسية والحقوقية لضمان إدماج هذه الرؤية في صلب الدستور السوري، وبناء تحالفات وطنية ودولية لدعم وصول الرسالة إلى أروقة صنع القرار.
واختتم البيان: “أن الحفاظ على مكتسبات ثورة المرأة وتثبيتها دستورياً هو التزام قاطع لا تراجع عنه، مع استمرار النضال لضمان حماية حقوق النساء السوريات وصون كرامتهن وتعزيز دورهن الريادي في قيادة سوريا نحو التحول الديمقراطي الشامل”.




